فصل: الآية رقم ‏(‏7 ‏:‏ 9‏)‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مختصر ابن كثير **


 سورة الأحقاف

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏1 ‏:‏ 6‏)‏

‏{‏ حم ‏.‏ تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ‏.‏ ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون ‏.‏ قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين ‏.‏ ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون ‏.‏ وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ‏}‏

يخبر تعالى أنه أنزل الكتاب على عبده ورسوله محمد صلوات اللّه وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين، ووصف نفسه بالعزة التي لا ترام والحكمة في الأقوال والأفعال، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق‏}‏ أي لا على وجه العبث والباطل، ‏{‏وأجل مسمى‏}‏ أي وإلى مدة معينة مضروبة لا تزيد ولا تنقص‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين كفروا عما أنذروا معرضون‏}‏ أي لاهون عما يراد بهم، وقد أنزل اللّه تعالى إليهم كتاباً، وأرسل إليهم رسولاً، وهم معرضون عن ذلك كله، أي وسيعلمون غب ذلك، ثم قال تعالى ‏{‏قل‏}‏ أي لهؤلاء المشركين العابدين مع اللّه غيره ‏{‏أرأيتم ما تدعون من دون اللّه أروني ماذا خلقوا من الأرض‏}‏ أي أرشدوني إلى المكان الذي استقلوا بخلقه من الأرض ‏{‏أم لهم شرك في السماوات‏}‏‏؟‏ ولا شرك لهم في السماوات ولا في الأرض وما يملكون من قطمير، إن الملك والتصرف كله إلا للّه عزَّ وجلَّ، فكيف تعبدون معه غيره وتشركون به‏؟‏ من أرشدكم إلى هذا‏؟‏ من دعاكم إليه‏؟‏ أهو أمركم به‏؟‏ أم هو شيء اقترحتموه من عند أنفسكم‏؟‏ ولهذا قال ‏{‏ائتوني بكتاب من قبل هذا‏}‏ أي هاتوا كتاباً من كتب اللّه المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، يأمركم بعبادة هذه الأصنام ‏{‏أو أثارة من علم‏}‏ أي دليل بيّن على هذا المسلك الذي سلكتموه ‏{‏إن كنتم صادقين‏}‏ أي لا دليل لكم لا نقلياً ولا عقلياً على ذلك، قال مجاهد ‏{‏أو أثارة من علم‏}‏ أو أحد يأثر علماً، وقال ابن عباس‏:‏ أو بينة من الأمر، وقال أبو بكر بن عياش‏:‏ أو بقية من علم، وقال ابن عباس ومجاهد ‏{‏أو أثارة من علم‏}‏ يعني الخط، وقال قتادة ‏{‏أو أثارة من علم‏}‏ خاصة من علم، وكل هذه الأقوال متقاربة، وهي راجحة إلى ما قلناه، وهو اختيار ابن جرير رحمه اللّه، وقوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏ومن أفضل ممن يدعو من دون اللّه من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون‏}‏‏؟‏ أي لا أضل ممن يدعو من دون اللّه أصناماً، ويطلب منها ما لا تستطيعه إلى يوم القيامة، وهي غافلة عما يقول لا تسمع ولا تبصر، لأنها جماد وحجارة صم، وقوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين‏}‏ كقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً‏}‏ أي سيخونونهم أحوج ما يكونون إليهم، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً ومأواكم النار ومالكم من ناصرين‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏7 ‏:‏ 9‏)‏

‏{‏ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين ‏.‏ أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم ‏.‏ قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين ‏}‏ يقول عزَّ وجلَّ مخبراً عن المشركين في كفرهم وعنادهم، إنهم إذا تتلى عليهم آيات اللّه ‏{‏بينات‏}‏ أي في حال بيانها ووضوحها وجلائها، يقولون‏:‏ ‏{‏هذا سحر مبين‏}‏ أي سحر واضح وقد كذبوا وافتروا وضلوا وكفروا، ‏{‏أم يقولون افتراه‏}‏ يعنون محمداً صلى اللّه عليه وسلم، قال اللّه عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏قل إن افتريته فلا تملكون لي من اللّه شيئاً‏}‏ أي لو كذبت عليه وزعمت أنه أرسلني، وليس كذلك لعاقبني أشد العقوبة، ولم يقدر أحد من أهل الأرض لا أنتم ولا غيركم أَن يجيرني منه، كقوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏قل إني لن يجيرني من اللّه أحد ولن أجد من دونه ملتحداً‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ولو تقوَّل علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين‏}‏ ولهذا قال سبحانه وتعالى ههنا‏:‏ ‏{‏قل إن افتريته فلا تملكون لي من اللّه شيئاً هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيداً بيني وبينكم‏}‏ هذا تهديد لهم ووعيد أكيد، وترهيب شديد، وقوله جل وعلا‏:‏ ‏{‏وهو الغفور الرحيم‏}‏ ترغيب لهم إلى التوبة والإنابة، أي ومع هذا كله إن رجعتم وتبتم تاب اللّه عليكم، وعفا عنكم وغفر ورحم، وهذه الآية كقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفوراً رحيماً‏}‏، وقوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏قل ما كنت بدعاً من الرسل‏}‏ أي لست بأول رسول طرق العالم، بل قد جاءت الرسل من قبلي، فما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني وتستبعدون بعثتي إليكم، فإنه قد أرسل اللّه جلَّ وعلا قبلي جميع الأنبياء إلى الأمم، قال ابن عباس ومجاهد ‏{‏قل ما كنت بدعاً من الرسل‏}‏ ما أنا بأول رسول بُعث إلى الناس‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أدري ما يفعل بي ولا بكم‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ نزل بعدها ‏{‏ليغفر لك اللّه ما تقدم من ذنبك وما تأخر‏}‏ هكذا قال عكرمة والحسن وقتادة‏:‏ إنها منسوخة بقوله تعالى ‏{‏ليغفر لك اللّه ما تقدم من ذنبك وما تأخر‏}‏، ولمل نزلت هذه الآية قالوا‏:‏ هنيئاً لك يا رسول اللّه فما لنا‏؟‏ فأنزل اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار‏}‏ وقال الضحّاك‏:‏ ‏{‏وما أدري ما يفعل بي ولا بكم‏}‏ أي ما أدري بماذا أومر وبماذا أنهى بعد هذا‏؟‏ وقال الحسن البصري في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أدري ما يفعل بي ولا بكم‏}‏ أما في الآخرة فمعاذ اللّه وقد علم أنه في الجنة، ولكن قال‏:‏ لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا، أخرج كما أخرجت الأنبياء‏؟‏ أم أُقْتل كما قتلت الأنبياء من قبلي‏؟‏ ولا أدري أيخسف بكم أو ترمون بالحجارة‏؟‏ ولا شك أن هذا هو اللائق به صلى اللّه عليه وسلم، فإنه بالنسبة إلى الآخرة جازم أنه يصير إلى الجنة هو ومن اتبعه؛ وأما في الدنيا فلم يدر ما كان يؤول إليه أمره وأمر مشركي قريش، إلى ماذا أيؤمنون أم يكفرون فيعذبون، فيستأصلون بكفرهم‏؟‏ فأما الحديث الذي رواه ابن شهاب عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أم العلاء - وكانت بايعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - قالت‏:‏ طار لهم في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين عثمان بن مظعون رضي اللّه عنه، فاشتكى عثمان فمرَّضناه حتى إذا توفي أدرجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقلت‏:‏ رحمة اللّه عليك أبا السائب شهادتي عليك، لقد أكرمك اللّه عزَّ وجلَّ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏وما يدريك أن اللّه تعالى أكرمه‏؟‏‏)‏ فقلت‏:‏ لا أدري بأبي أنت وأمي، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وأني لأرجو له الخير، واللّه ما أدري وأنا

رسول اللّه ما يفعل بي، قالت، فقلت‏:‏ ‏(‏واللّه لا أزكي أحداً بعده أبداً، وأحزنني ذلك، فنمت فرأيت لعثمان رضي اللّه عنه عيناً تجري، فجئت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبرته بذلك، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ذاك عمله‏)‏ ‏"‏انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم‏"‏وفي لفظ‏:‏ ‏(‏ما أدري وأنا رسول اللّه ما يفعل به‏)‏ - وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ، بدليل قولها؛ فأحزنني ذلك - ففي هذا وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمعّين بالجنة، إلا الذي نص الشارع على تعينهم كالعشرة المبشرين بالجنة، والقراء السبعين الذين قتلوا ببئر معونة وما أشبههم وقوله‏:‏ ‏{‏إن أتبع إلا ما يوحى إلي‏}‏ أي إنما أتبع ما ينزله اللّه عليّ من الوحي، ‏{‏وما أنا إلا نذير مبين‏}‏ أي بيّن النذارة أمري ظاهر، لكل ذي لب وعقل، واللّه أعلم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏10 ‏:‏ 14‏)‏

‏{‏ قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ‏.‏ وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ‏.‏ ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين ‏.‏ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ‏.‏ أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ يا محمد لهؤلاء المشركين الكافرين بالقرآن ‏{‏أرأيتم إن كان‏}‏ هذا القرآن ‏{‏من عند اللّه وكفرتم به‏}‏‏؟‏ أي ما ظنكم أن اللّه صانع بكم، إن كان هذا الكتاب الذي جئتكم به قد أنزله عليّ لأبلغكموه، وقد كفرتم به وكذبتموه‏؟‏ ‏{‏وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله‏}‏ أي وقد شهدت بصدقه وصحته الكتب المتقدمة المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبلي، بشرت به وأخبرت بمثل ما أخبر هذا القرآن به، وقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏فآمن‏}‏ أي هذا الذي شهد بصدقه من بني إسرائيل لمعرفته بحقيقته، ‏{‏واستكبرتم‏}‏ أنتم عن اتباعه، وقال مسروق‏:‏ فآمن هذا الشاهد بنبيه وكتابه وكفرتم أنتم بنبيكم وكتابكم، ‏{‏إن اللّه لا يهدي القوم الظالمين‏}‏ وهذا يعم عبد اللّه بن سلام وغيره، كقوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا قبله مسلمين‏}‏ وقال‏:‏ ‏{‏إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً‏}‏ الآية، وروى مالك، عن عامر بن سعد عن أبيه قال‏:‏ ما سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه، قال‏:‏ وفيه نزلت ‏{‏وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله‏}‏ ‏"‏أخرجه البخاري ومسلم والنسائي‏"‏، وكذا قال ابن عباس ومجاهد والضحّاك وقتادة‏:‏ إنه عبد اللّه بن سلام، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه‏}‏ أي قالوا عن المؤمنين بالقرآن لو كان القرآن خيراً ما سبقنا هؤلاء إليه، يعنون بلالاو عمارا و صهيباو خبابارضي اللّه عنهم وأشباههم من المستضعفين والعبيد والإماء، غلطوا في ذلك غلطاً فاحشاً وأخطأوا خطأً بيّناً كما قال تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منَّ اللّه عليهم من بيننا‏}‏ أي يتعجبون كيف اهتدى هؤلاء دوننا ولهذا قالوا‏:‏ ‏{‏لو كان خيراً ما سبقونا إليه‏}‏، وأما أهل السنَّة والجماعة فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة رضي اللّه عنهم‏:‏ هو بدعة، لأنه لو كان خيراً لسبقونا إليه لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ يهتدوا به‏}‏ أي بالقرآن ‏{‏فسيقولون هذا إفك قديم‏}‏ أي كذب قديم مأثور عن الناس الأقدمين، فينتقصون القرآن وأهله، وهذا هو الكبر الذي قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏بطر الحق وغمط الناس‏)‏ بطر الحق أي دفعه وعدم قبوله، و غمط الناس أي احتقارهم وازدراءهم ‏.‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏ومن قبله كتاب موسى‏}‏ وهو التوراة ‏{‏إماماً ورحمة وهذا كتاب‏}‏ يعني القرآن ‏{‏مصدق‏}‏ أي لما قبله من الكتب ‏{‏لساناً عربياً‏}‏ أي فصيحاً بيناً واضحاً ‏{‏لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين‏}‏ أي مشتمل على النذارة للكافرين، والبشارة للمؤمنين، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين قالوا ربنا اللّه ثم استقاموا‏}‏ تقدم تفسيرها في سورة حم السجدة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا خوف عليهم‏}‏ أي فيما يستقبلون ‏{‏ولا هم يحزنون‏}‏ على ما خلفوا ‏{‏أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون‏}‏ أي الأعمال سبب لنيل الرحمة لهم وسبوغها عليهم، واللّه أعلم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏15 ‏:‏ 16‏)‏

‏{‏ ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين ‏.‏ أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون ‏}‏

لما ذكر تعالى في الآية الأولى التوحيد له وإخلاص العبادة والاستقامة إليه، عطف بالوصية بالوالدين، كما هو مقرون في غير ما آية من القرآن كقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً‏}‏، وقوله جلَّ جلاله‏:‏ ‏{‏أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير‏}‏ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة، وقال عزَّ وجلَّ ههنا‏:‏ ‏{‏ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً‏}‏ أي أمرناه بالإحسان إليهما والحنو عليهما، روى أبو داود الطيالسي، عن سعد رضي اللّه عنه قال، قالت أم سعد لسعد‏:‏ أليس قد أمر اللّه بطاعة الوالدين‏؟‏ فلا آكل طعاماً ولا أشرب شراباً حتى تكفر باللّه تعالى، فامتنعَتْ من الطعام والشراب، حتى جعلوا يفتحون فاها بالعصا، ونزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً‏}‏ الآية ‏"‏أخرجه الطيالسي، ورواه مسلم وأصحاب السنن إلا ابن ماجة بإسناد نحوه وأطول منه‏"‏، ‏{‏حملته أُمّه كرهاً‏}‏ أي قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعباً، من وَحَم وغشيان وثقل وكرب إلى غير ذلك؛ مما تنال الحوامل من التعب والمشقة، ‏{‏ووضعته كرهاً‏}‏ أي بمشقة أيضاً من الطلق وشدته، ‏{‏وحمله وفصاله ثلاثون شهراً‏}‏ وقد استدل بهذه الآية مع التي في لقمان ‏{‏وفصاله في عامين‏}‏، على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قوي صحيح، روى محمد بن إسحاق، عن معمر بن عبد اللّه الجهني قال‏:‏ تزوج رجل منا امرأة من جهينة، فولدت له لتمام ستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان رضي اللّه عنه، فذكر ذلك له، فبعث إليها فلما قامت لتلبس ثيابها بكت أختها، فقالت‏:‏ ما يبكيك، فواللّه ما التبس بي أحد من خلق اللّه تعالى غيره قط، فيقضي اللّه سبحانه وتعالى فيَّ ما شاء، فلما أتى بها عثمان رضي اللّه عنه أمر برجمها، فبلغ ذلك علياً رضي اللّه عنه، فأتاه فقال له‏:‏ ما تصنع‏؟‏ قال‏:‏ ولدت تماماً لستة أشهر وهل يكون ذلك‏؟‏ فقال له علي رضي اللّه عنه‏:‏ أما تقرأ القرآن‏؟‏ قال‏:‏ بلى، قال أما سمعت اللّه عزَّ وجلَّ يقول‏:‏ ‏{‏وحمله وفصاله ثلاثون شهراً‏}‏ وقال‏:‏ ‏{‏حولين كاملين‏}‏ فلم نجده بقي إلاّ ستة أشهر، قال، فقال عثمان رضي اللّه عنه‏:‏ واللّه ما فطنت بهذا، عليَّ بالمرأة، فوجدوها قد فرغ منها، قال، فقال معمر‏:‏ فواللّه ما الغراب بالغراب، ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه، فلما رآه أبوه قال‏:‏ ابني واللّه لا أشك فيه، قال، وابتلاه اللّه تعالى بهذه القرحة بوجهه الآكلة، فما زالت تأكله حتى مات ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم، قال ابن كثير‏:‏ وقد أوردناه من وجه آخر‏"‏، وقال ابن عباس‏:‏ إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر كفاه من الرضاع أحد وعشرون شهراً، وإذا وضعته لسبعة أشهر كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهراً، وإذا وضعته لستة أشهر فهولين كاملين، لأن اللّه تعالى يقول‏:‏ ‏{‏وحمله وفصاله ثلاثون شهراً‏}‏ ‏{‏حتى بلغ أشده‏}‏ أي قوي وشب وارتجل، ‏{‏وبلغ أربعين سنة‏}‏ أي تناهى عقله، وكمل فهمه وحلمه، ويقال إنه لا يتغير غالباً عما يكون عليه ابن الأربعين، وروى الحافظ الموصلي، عن عثمان رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏العبد المسلم إذا بلغ أربعين سنة خفف اللّه حسابه، وإذا بلغ ستين سنة رزقه اللّه الإنابة إليه، وإذا بلغ سبعين سنة أحبه أهل السماء، وإذا بلغ ثمانين سنة ثَّبت اللّه تعالى حسناته ومحا سيئاته، وإذا بلغ تسعين سنة غفر اللّه ما تقدم من ذنبه وما تأخر وشفعه في أهل بيته، وكتب في السماء أسير اللّه في أرضه‏)‏ ‏"‏أخرجه الحافظ الموصلي، وروي من غير هذا الوجه في مسند الإمام أحمد‏"‏‏.‏

‏{‏قال رب أوزعني‏}‏ أي ألهمني ‏{‏أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديَّ وأن أعمل صالحاً ترضاه‏}‏ أي في المستقبل، ‏{‏وأصلح لي في ذريتي‏}‏ أي نسلي وعقبي، ‏{‏إني تبت إليك وإني من المسلمين‏}‏ وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدّد التوبة والإنابة إلى اللّه عزَّ وجلَّ ويعزم عليها، وقد روى أبو داود في سنته عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يعلمهم أن يقولوا في التشهد‏:‏ ‏(‏اللهم ألّف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك قابليها، وأتممها علينا‏)‏ ‏"‏أخرجه أبو داود في السنن‏"‏‏.‏ قال اللّه عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة‏}‏ أي هؤلاء المتصفون بما ذكرنا، التائبون إلى اللّه المنيبون إليه، المستدركون ما فات بالتوبة والاستغفار، هم الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا، ونتجاوز عن سيئاتهم، فيغفر لهم الكثير من الزلل، ونتقبل منهم اليسير من العمل ‏{‏في أصحاب الجنة‏}‏ أي هم في جملة أصحاب الجنة، وهذا حكمهم عند اللّه كما وعد اللّه عزَّ وجلَّ من تاب إليه وأناب، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وعد الصدق الذي كانوا يوعدون‏}‏، روى ابن أبي حاتم، عن محمد بن حاطب قال‏:‏ لقد شهدت أمير المؤمنين علياً رضي اللّه عنه، وعنده عمار و صعصة و الأشتر و محمد بن أبي بكر رضي اللّه عنهم، فذكروا عثمان رضي اللّه عنه فنالوا منه، فكان علي على السرير ومعه عود في يده، فقال قائل منهم‏:‏ إن عندكم من يفصل بينكم، فسألوه، فقال علي رضي اللّه عنه‏:‏ كان عثمان رضي اللّه عنه من الذين قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏اولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون‏}‏ قال‏:‏ واللّه عثمان وأصحاب عثمان رضي اللّه عنهم، قالها ثلاثاً‏.‏ قال يوسف‏:‏ فقلت لمحمد بن حاطب‏:‏ آللّه لَسمعتَ هذا من علي رضي اللّه عنه‏؟‏ قال‏:‏ آللّه لَسمعتْ هذا من علي رضي اللّه عنه ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏17 ‏:‏ 20‏)‏

‏{‏ والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين ‏.‏ أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ‏.‏ ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون ‏.‏ ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون ‏}‏

لما ذكر تعالى حال الداعين للوالدين البارين بهما، وما لهم عنده من الفوز والنجاة، عطف بحال الأشقياء العاقين للوالدين فقال‏:‏ ‏{‏والذي قال لوالديه أفّ لكما‏}‏ وهذا عام في كل من قال هذا، ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي اللّه عنهما فقوله ضعيف، لأن عبد اللّه بن أبي بكر رضي اللّه عنهما أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه وكان من خيار أهل زمانه، وإنما هذا عام في كل من عق والديه وكذب بالحق فقال لوالديه‏:‏ أف لكما‏.‏ روى ابن أبي حاتم، عن عبد اللّه بن المديني قال‏:‏ إني لفي المسجد حين خطب مروان فقال‏:‏ إن اللّه تعالى قد أرى أمير المؤمنين في يزيد رأياً حسناً، وإن يستخلفه، فقد استخلف أبو بكر عمر رضي اللّه عنهما، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر رضي اللّه عنهما‏:‏ أهرقلية‏؟‏ إن أبا بكر رضي اللّه عنه واللّه ما جعلها في أحد من ولده، ولا أحد من أهل بيته، ولا جعلها معاوية في ولده إلا رحمة وكرامة لولده، فقال مروان‏:‏ ألست الذي قال لوالديه‏:‏ أُفٍ لكما‏؟‏ فقال عبد الرحمن رضي اللّه عنه‏:‏ ألست ابن اللعين الذي لعن رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم أباك، قال وقد سمعتهما عائشة رضي اللّه عنها فقالت‏:‏ يا مروان‏!‏ أنت القائل لعبد الرحمن رضي اللّه عنه كذا وكذا‏؟‏ كذبت، ما فيه نزلت، ولكن نزلت في فلان بن فلان، ثم انتحب مروان، ثم نزل عن المنبر، حتى أتى باب حجرتها فجعل يكلمها حتى انصرف ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم، ورواه البخاري بإسناد آخر ولفظ آخر‏"‏‏.‏ وروى النسائي، عن محمد بن زياد قال‏:‏ قال لما بلغ معاوية رضي اللّه عنه لابنه قال مروان‏:‏ سنة أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر رضي اللّه عنهما‏:‏ سنة هرقل وقيصر، فقال مروان‏:‏ هذا الذي أنزل اللّه تعالى فيه‏:‏ ‏{‏والذي قال لوالديه أُفٍ لكما‏}‏، فبلغ ذلك عائشة رضي اللّه عنها فقالت‏:‏ كذب مروان، واللّه ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته، ولكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعن أبا مروان ومروان في صلبه، فمروانٌ فضَضٌ من لعنة اللّه ‏"‏أخرجه النسائي في سننه‏"‏‏.‏ ومعنى فضض ‏:‏ قطعة ‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أتعداني أن أخرج‏}‏‏؟‏ أي أبعث، ‏{‏وقد خلت القرون من قبلي‏}‏ أي قد مضى الناس فلم يرجع منهم مخبر، ‏{‏وهما يستغيثان اللّه‏}‏ أي يسألان اللّه فيه أن يهديه ويقولان لولدهما‏:‏ ‏{‏ويلك آمن إن وعد اللّه حق، فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين‏}‏‏.‏

قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين‏}‏ أي دخلوا في زمرة أشباههم وأضرابهم من الكافرين الخاسرين أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وقوله‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ بعد قوله ‏{‏والذي قال‏}‏ دليل على ما ذكرناه من أنه جنس يعم كل من كان كذلك، وقال الحسن وقتادة‏:‏ هو الكافر الفاجر العاق لوالديه المكذب بالبعث، وقوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏ولكل درجات مما عملوا‏}‏ أي لكل عذاب بحسب عمله، ‏{‏وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون‏}‏ أي لا يظلمهم مثقال ذرة فما دونها، قال عبد الرحمن بن زيد‏:‏ درجات النار تذهب سَفَالاً، ودرجات الجنة تذهب علواً، وقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها‏}‏، أي يقال لهم ذلك تقريحاً وتوبيخاً، وقد تورع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه عن كثير من طيبات المآكل والمشارب وتنزه عنها وقال‏:‏ إني أخاف أن أكون من الذين قال اللّه لهم‏:‏ ‏{‏أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها‏}‏، وقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون‏}‏ جُوزوا من جنس عملهم، فكما متعوا أنفسهم واستكبروا عن اتباع الحق، وتعاطوا الفسق والمعاصي، جازاهم اللّه تبارك وتعالى بعذاب الهون، وهو الإهانة والخزي والآلام الموجعة، والحسرات المتتابعة، والمنازل في الدركات المفظِعة، أجارنا اللّه سبحانه وتعالى من ذلك كله‏.‏

 الآية رقم ‏(‏21 ‏:‏ 25‏)‏

‏{‏ واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ‏.‏ قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ‏.‏ قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون ‏.‏ فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ‏.‏ تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين ‏}‏

يقول تعالى مسلياً لنبيّه صلى اللّه عليه وسلم، في تكذيب من كذبه من قومه ‏{‏واذكر أخا عاد‏}‏ وهو ‏{‏هود‏}‏ عليه الصلاة والسلام، بعثه اللّه عزَّ وجلَّ إلى عاد الأولى، وكانوا يسكنون الأحقاف، جمع حِقْف، وهو الجبل من الرمل، وقال عكرمة‏:‏ الأحقاف‏:‏ الجبل والغار، وقال قتادة‏:‏ ذكر لنا أن عاداً كانوا حياً باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشِّحْر، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه‏}‏، يعني وقد أرسل اللّه تعالى من حول بلادهم في القرى مرسلين ومنذرين، كقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا اللّه إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم‏}‏ أي قال لهم هود ذلك فأجاب قومه قائلين ‏{‏أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا‏}‏‏؟‏ أي لتصدنا عن آلهتنا، ‏{‏فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين‏}‏ استعجلوا عذاب اللّه وعقوبته، استبعاداً منهم وقوعه، كقوله جلَّت عظمته‏:‏ ‏{‏يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها‏}‏، ‏{‏قال إنما العلم عند اللّه‏}‏ أي اللّه أعلم بكم إن كنتم مستحقين لتعجيل العذاب فسيفعل ذلك بكم، وأما أنا فمن شأني أن أبلغكم ما أرسلت به ‏{‏ولكني أراكم قوماً تجهلون‏}‏ أي لا تعقلون ولا تفهمون، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم‏}‏ أي لما رأوا العذاب مستقبلهم، اعتقدوا أنه عارض ممطر ففرحوا واستبشروا به، وقد كانوا ممحلين محتاجين إلى المطر، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم‏}‏ أي هو العذاب الذي قلتم فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين، ‏{‏تدمر‏}‏ أي تخرب ‏{‏كل شيء‏}‏ من بلادهم مما من شأنه الخراب، ‏{‏بأمر ربها‏}‏ أي بإذن اللّه لها في ذلك، كقوله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم‏}‏ أي كالشيء البالي، ولهذا قال اللّه عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم‏}‏ أي قد بادوا كلهم عن آخرهم ولم تبق لهم باقية، ‏{‏كذلك نجزي القوم المجرمين‏}‏ أي هذا حكمنا فيمن كذَّب رسلنا وخالف أمرنا‏.‏

يروى أن عاداً قحطوا فبعثوا وفداً يقال له قيل فمر بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهراً يسقيه الخمر، وتغنيه جاريتان، يقال لهما الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة، فقال‏:‏ اللهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا أسير فأفاديه، اللهم اسق عاداً ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سود، فنودي منها اختر، فأومأ إلى سحابة سوداء، فنودي منها خذها رماداً رِمْدَداً يقال‏:‏ رِمْدِدُ ورِمْدَد ورِمْديد‏:‏ أي كثير دقيق جداً ، لا تبقي من عاد أحداً، فما أرسل عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في الخاتم حتى هلكوا، قال أبو وائل‏:‏ وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافداً لهم، قالوا‏:‏ لا تكن كوافد عاد ‏"‏أخرجه الإمام أحمد عن الحارث البكري‏.‏ وهو حديث غريب كما قال ابن كثير من غرائب الحديث وأفراده‏"‏‏.‏ وروى الإمام أحمد، عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت‏:‏ ما رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لهواته، إنما كان يبتسم‏.‏ وقالت‏:‏ كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا رأى غيماً أو ريحاً عرف ذلك في وجهه‏.‏ قالت‏:‏ يا رسول اللّه إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية‏؟‏ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عُذَّب قوم بالريح، وقد أرى قوم العذاب وقالوا هذا عارض ممطرنا‏)‏ ‏"‏أخرجه أحمد، ورواه الشيخان من حديث ابن وهب عن عائشة رضي اللّه عنها‏"‏‏.‏ وعن عائشة رضي اللّه عنها قالت‏:‏ كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا عصفت الريح قال‏:‏ ‏(‏اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به؛ وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به‏)‏‏.‏ قالت‏:‏ وإذا تخبَّلت السماء تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، وإذا أمطرت سري عنه، فعرفت ذلك عائشة رضي اللّه عنها، فسألته، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لعله يا عائشة كما قال قوم عاد‏:‏ ‏{‏فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا‏}‏‏)‏ ‏"‏أخرجه مسلم في صحيحه‏"‏، وقد ذكرنا قصة هلاك قوم عاد في سورة الأعراف وهود بما أغنى عن إعادته ههنا، وللّه الحمد والمنة‏.‏

 الآية رقم ‏(‏26 ‏:‏ 28‏)‏

‏{‏ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ‏.‏ ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون ‏.‏ فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ولقد مكننا الأمم السالفة في الدنيا من الأموال والأولاد، وأعطيناهم منها ما لم نعطكم مثله ولا قريباً منه، ‏{‏وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات اللّه وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون‏}‏، أي وحاط بهم العذاب والنكال الذي كانوا يكذبون به ويستعبدون وقوعه، أي فاحذروا أيها المخاطبون أن تكونوا مثلهم فيصيبكم مثل ما أصابكم من العذاب في الدنيا والآخرة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى‏}‏ يعني أهل مكة، وقد أهلك اللّه الأمم المكذبة بالرسل مما حولها كعاد وكانوا بالأحقاف بحضرموت عند اليمن، وثمود وكانت منازلهم بينهم وبين الشام، وكذلك سبأ وهم أهل اليمن، ومدين وكانت في طريقهم وممرهم إلى غزة، وكذلك بحيرة قوم لوط كانوا يمرون بها أيضاً، وقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏وصرفنا الآيات‏}‏ أي بيناها وأوضحناها ‏{‏لعلهم يرجعون * فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون اللّه قرباناً آلهة‏}‏ أي فهل نصروهم عند احتياجهم إليهم، ‏{‏بل ضلوا عنهم‏}‏ أي بل ذهبوا عنهم أحوج ما كانوا إليهم، ‏{‏وذلك إفكهم‏}‏ أي كذبهم، ‏{‏وما كانوا يفترون‏}‏ أي وافتراؤهم في اتخاذ إياهم آلهة، وقد خابوا وخسروا في عبادتهم لها واعتمادهم عليها، واللّه أعلم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏29 ‏:‏ 32‏)‏

‏{‏ وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين ‏.‏ قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ‏.‏ يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ‏.‏ ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين ‏}‏

رُوي عن الزبير ‏{‏وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن‏}‏ قال‏:‏ بنخلة، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلي العشاء الآخرة، ‏{‏كادوا يكونون عليه لبداً‏}‏ صلى اللّه عليه وسلم وكانوا سبعة من جن نصيبين‏)‏ ‏"‏تفرد به الإمام أحمد‏"‏‏.‏ وروى الحافظ البيهقي في كتابه دلائل النبوة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال‏:‏ ما قرأ رسول اللّه صلى اللّه

عليه وسلم على الجن ولا رآهم، انطلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ‏.‏ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا‏:‏ ما لكم‏؟‏ فقالوا‏:‏ حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب، قالوا‏:‏ ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وهو بنخلة عامداً إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا‏:‏ هذا واللّه الذي حال بينكم وبين خبر السماء فهنالك حين رجعوا إلى قومهم ‏{‏قالوا يا قومنا إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً‏}‏، وأنزل اللّه على نبّيه صلى اللّه عليه وسلم ‏{‏قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن‏}‏ وإنما أوحي إليه قول الجن ‏"‏أخرجه البيهقي ورواه البخاري ومسلم بنحوه‏"‏‏.‏ وعن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال‏:‏ هبطوا على النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة فلما سمعوه، قالوا‏:‏ أنصتوا، قال‏:‏ صه، وكانوا تسعة، أحدهم زوبعة، فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا انصتوا فلما قُضيَ ولوا إلى قومهم منذرين - إلى - ضلال مبين‏}‏ فهذا مع رواية ابن عباس يقتضي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يشعر بحضورهم في هذه المرة، وإنما استمعوا قراءته ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالاً، قوماً بعد قوم، وفوجاً بعد فوج، قال الحافظ البيهقي‏:‏ وهذا الذي حكاه ابن عباس رضي اللّه عنهما إنما هو أول ما سمعتِ الجن قراءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعلمت حاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم، ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن فقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى اللّه عزَّ وجلَّ‏.‏

روى الإمام مسلم، عن عامر قال‏:‏ سألت علقمة‏:‏ هل كان ابن مسعود رضي اللّه عنه شهد مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة الجن‏؟‏ قال، فقال علقمة‏:‏ أنا سألت ابن مسعود رضي اللّه عنه فقلت‏:‏ هل شهد أحد منكم مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة الجن‏؟‏ قال‏:‏ لا، ولكنا كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقيل‏:‏ استطير‏؟‏ اغتيل‏؟‏ قال، فبتنا بشر ليلة بات بها قومٌ، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حِرَاء، قال، فقلنا‏:‏ يا رسول اللّه فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال‏:‏ ‏(‏أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن‏)‏، قال‏:‏ فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال‏:‏ ‏(‏كل عظم ذكر اسم اللّه عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم‏)‏، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم‏)‏ ‏"‏أخرجه مسلم في صحيحه‏"‏‏.‏ وعن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏بت الليلة أقرأ على الجن واقفاً بالحجون‏)‏ ‏"‏أخرجه ابن جرير‏"‏‏.‏ طريق أُخْرى ‏:‏ قال ابن جرير، عن ابن شهاب، عن أبي عثمان بن شبة الخزاعي - وكان من أهل الشام - قال‏:‏ إن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه وهو بمكة‏:‏ ‏(‏من أحب منكم أن يحضر أمر الجن الليلة فليفعل‏)‏، فلم يحضر منهم أحد غيري، قال، فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خط برجله خطاً، ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى قام، فافتتح القرآن، فغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، حتى بقي منهم رهط ففرغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع الفجر، فانطلق فتبرز، ثم أتاني فقال‏:‏ ‏(‏ما فعل الرهط‏؟‏‏(‏ فقلت‏:‏ هم أولئك يا رسول اللّه، فأعطاهم عظماً وروثاً زاداً، ثم نهى أن يستطيب أحد بروث أو عظم ‏"‏أخرجه ابن جرير، ورواه البيهقي وأبو نعيم بنحوه‏"‏‏.‏ وعن قتادة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن‏}‏ قال‏:‏ ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من نينوى وأن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إني أمرت أن أقرأ على الجن، فأيكم يتبعني‏؟‏‏)‏ فأطرقوا، ثم استتبعهم، فأطرقوا، ثم استتبعهم الثالثة، فقال رجل‏:‏ يا رسول اللّه إن ذاك لذو ندبة، فأتبعه ابن مسعود رضي اللّه عنه أخو هزيل، قال‏:‏ فدخل صلى اللّه عليه وسلم شعباً يقال له شعب الحجون وخط عليه، وخط على ابن مسعود رضي اللّه عنه خطاً ليثبته بذلك، قال‏:‏ فجعلت أُهالُ وأرى أمثال النسور تمشي في دفوفها، وسمعت لغطاً شديداً حتى خفت على نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ثم تلا القرآن، فلما رجع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، قلت‏:‏ يا رسول اللّه، ما اللغط الذي سمعت‏؟‏ قال صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏اختصموا في قتيل فقضي بينهم بالحق‏)‏ ‏"‏أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم، وهو حديث مرسل‏"‏‏.‏

فهذه الطريق تدل على أنه صلى اللّه عليه وسلم ذهَبَ إلى الجن قصداً، فتلا عليهم القرآن ودعاهم إلى اللّه عزَّ وجلَّ، أما الجن الذين لقوه بنخلة فجن نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين، وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي‏:‏ كان أبو هريرة رضي اللّه عنه يتبع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بإداوة لوضوحه وحاجته، فأدركه يوماً فقال‏:‏ ‏(‏ما هذا‏؟‏‏)‏، قال‏:‏ أنا أبو هريرة، قال صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏ائتني بأحجار أستنج بها ولا تأتني بعظم ولا روثة‏)‏، فأتيته بأحجار في ثوبي، فوضعتها إلى جنبه، حتى فرغ وقام اتبعته، فقلت‏:‏ يا رسول اللّه ما بال العظم والروثة‏؟‏ قال صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أتاني وفد جن نصيبين فسألوني الزاد، فدعوت اللّه تعالى لهم أن لا يمروا بروثة ولا عظم، إلا وجدوه طعاماً‏)‏ ‏"‏أخرجه البخاري في صحيحه‏"‏‏.‏ وقال سفيان الثوري، عن ابن مسعود رضي اللّه عنه‏:‏ كانوا تسعة أحدهم زوبعة، أتوه من أصل نخلة، وفي رواية أنهم كانوا على ستين راحلة، وقيل كانوا ثلثمائة، فلعل هذا الاختلاف دليل على تكرر وفادتهم عليه صلى اللّه عليه وسلم‏.‏ ومما يدل على ذلك ما قاله البخاري في صحيحه، عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال‏:‏ ما سمعت عمر رضي اللّه عنه يقول لشيء قط إني لأظنه هكذا، إلا كان كما يظن، بينما عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه جالس إذ مر به رجل جميل، فقال‏:‏ لقد أخطأ ظني، أو أن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، عليَّ بالرجل، فدعي له، فقال له ذلك، فقال‏:‏ ما رأيت كاليوم أستقبل به رجل مسلم، قال‏:‏ فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني، قال‏:‏ كنت كاهنهم في الجاهلية، قال فما أعجب ما جاءتك به جنيتك‏؟‏ قال بينما أنا يوماً في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت‏:‏

ألم تر الجن وإبلاسها * ويأسها من بعد إنكاسها * ولحوقها بالقلاص وأحلاسها

قال عمر رضي اللّه عنه‏:‏ صدق، بينما أنا نائم عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل، فذبحه، فصرخ به صارخ لم أسمع صارخاً قط أشد صوتاً منه، يقول‏:‏ يا جليح، أمر نجيح رجل فصيح يقول‏:‏ لا إله إلا اللّه، قال‏:‏ فوثب القوم، فقلت‏:‏ لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى‏:‏ يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول‏:‏ لا إله إلا اللّه، فقمت فما نشبنا أن قيل‏:‏ هذا نبي‏)‏ ‏"‏هذا لفظ البخاري وقد رواه البيهقي بنحوه‏"‏‏.‏

وقوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن‏}‏ أي طائفة من الجن، ‏{‏يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا‏}‏ أي استمعوا وهذا أدب منهم، عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما، قال‏:‏ قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال‏:‏ ‏(‏مالي أراكم سكوتاً‏؟‏ لَلْجِنُّ كانوا أحسن منكم رداً، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة ‏{‏فبأي آلاء ربكما تكذبان‏}‏ إلا قالوا‏:‏ ولا بشيء من آلائك أو نعمك ربنا نكذب فلك الحمد‏)‏ ‏"‏أخرجه الحافظ البيهقي، ورواه الترمذي وقال‏:‏ غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد عن زهير‏"‏‏.‏ وقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏فلما قضي‏}‏ أي فرغ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا قضيت الصلاة‏}‏، ‏{‏فإذا قضيتم مناسككم‏}‏، ‏{‏ولوا إلى قومهم منذرين‏}‏ أي رجعوا إلى قومهم فأنذروهم ما سمعوه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كقوله جلَّ وعلا‏:‏ ‏{‏ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون‏}‏، وقد استدل بهذه الآية على أنه في الجن نُذُرٌ وليس فيهم رسل، فأما قوله تبارك وتعالى في الأنعام‏:‏ ‏{‏يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم‏}‏‏؟‏ فالمراد من مجموع الجنسين فيصدق على أحدهما وهو الإنس، كقوله‏:‏ ‏{‏يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان‏}‏ أي أحدهما، ثم إنه تعالى فسر إنذار الجن لقومهم، فقال مخبراً عنهم‏:‏ ‏{‏قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى‏}‏ ولم يذكروا عيسى، لأن عيسى عليه السلام أنزل عليه الإنجيل، فيه مواعظ وقليل من التحليل والتحريم، وهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة، فالعمدة هو التوراة، فلهذا قالوا ‏{‏أنزل من بعد موسى‏}‏ ‏{‏مصدقاً لما بين يديه‏}‏ أي من الكتب المنزلة على الأنبياء قبله، ‏{‏يهدي إلى الحق‏}‏ أي في الاعتقاد والإخبار، ‏{‏وإلى طريق مستقيم‏}‏ في الأعمال فإن القرآن مشتمل على‏:‏ خبر وطلب، فخبره صدق، وطلبه عدل كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً‏}‏، وهكذا قالت الجن ‏{‏يهدي إلى الحق‏}‏ في الاعتقادات، ‏{‏وإلى طريق مستقيم‏}‏ أي في العمليات ‏{‏يا قومنا أجيبوا داعي اللّه‏}‏ فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمداً صلى اللّه عليه وسلم إلى الثقلين، الجن والإنس، حيث دعاهم إلى اللّه تعالى وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين وتكليفهم ووعدهم ووعيدهم وهي سورة الرحمن ، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏أجيبوا داعي اللّه وآمنوا به‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يغفر لكم من ذنوبكم‏}‏ قيل إن ‏{‏من‏}‏ ههنا زائدة، وفيه نظر، وقيل إنها للتبعيض، ‏{‏ويجركم من عذاب أليم‏}‏ أي ويقيكم من عذابه الأليم، ومؤمنوا الجن يدخلون الجنة كمؤمني الإنس، ويدل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولمن خاف مقام ربه جنتان‏}‏ فقد امتن تعالى على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، ولم يرد نص صريح ولا ظاهر عن الشارع، أن مؤمني الجن لا يدخلون الجنة وإن إجيروا من النار، ولو صح لقلنا به‏.‏ وقد حكي فيهم أقوال غريبة، فمن الناس من زعم أنهم في الجنة يراهم بنو آدم ولا يرو بني آدم، بعكس ما كانوا عليه في الدار الدنيا، ومن الناس من قال‏:‏ لا يأكلون في الجنة ولا يشربون، وإنما يلهمون التسبيح والتحميد والتقديس عوضاً عن الطعام والشراب، كالملائكة لأنهم من جنسهم، وكل هذه الأقوال فيها نظر، ولا دليل عليها، ثم قال مخبراً عنهم‏:‏ ‏{‏ومن لا يجب داعي اللّه فليس بمعجز في الأرض‏}‏ أي بل قدرة اللّه شاملة له ومحيطة به ‏{‏وليس له من دونه أولياء‏}‏ أي لا يجيرهم منه أحد ‏{‏أولئك في ضلال مبين‏}‏ وهذا مقام تهديد وترهيب، فدعوا قومهم بالترغيب والترهيب، ولهذا نجع في كثير منهم، وجاءوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفوداً وفوداً كما تقدم بيانه، واللّه أعلم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏33 ‏:‏ 35‏)‏

‏{‏ أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير ‏.‏ ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ‏.‏ فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ أولم ير هؤلاء المنكرون للبعث، المستبعدون لقيام الأجساد يوم الماد ‏{‏أن اللّه الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن‏}‏ أي ولم يكرثه خلقهن بل قال لها‏:‏ كوني فكانت، بلا ممانعة ولا مخالفة، بل طائعة مجيبة خائفة وجلة، أفليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى‏؟‏ كما قال عزَّ وجلَّ في الآية الأُخْرى‏:‏ ‏{‏لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون‏}‏، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏بلى إنه على كل شيء قدير‏}‏ ثم قال جلّ جلاله متهدداً ومتوعداً لمن كفر به‏:‏ ‏{‏ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق‏}‏‏؟‏ أي يقال لهم‏:‏ أما هذا حق‏؟‏ أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون‏؟‏ ‏{‏قالوا بلى وربنا‏}‏ أي لا يسعهم إلا الاعتراف، ‏{‏قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون‏}‏، ثم قال تبارك وتعالى آمراً رسوله صلى اللّه عليه وسلم بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه ‏{‏فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل‏}‏ أي على تكذيب قومهم لهم، ‏{‏ولا تستعجل لهم‏}‏ أي لا تستعجل لهم حلول العقوبة بهم كقوله تبارك وتعالى ‏{‏ومهلهم قليلاً‏}‏، وكقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمهل الكافرين أمهلهم رويداً‏}‏، ‏{‏كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار‏}‏ كقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها‏}‏، وكقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏ويوم نحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من نهار يتعارفون بينهم‏}‏ الآية، وقوله جلَّ وعلا‏:‏ ‏{‏بلاغ‏}‏ تقديره هذا القرآن بلاغ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فهل يهلك إلا القوم الفاسقون‏}‏‏؟‏ أي لا يهلك إلا هالك، وهذا من عدله عزَّ وجلَّ، أنه لا يعذب إلا من يستحق العذاب واللّه أعلم‏.‏